المرأة هي الحياة الحرة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

هذه العبارة التي أرعبت ومازالت تُرعب أعداء الحياة والإنسانية، فأينما وُجدت المرأة الحرة الواعية وُجدت الحياة الحرة الكريمة، وهذا ما لا يروق لأصحاب الفكر الظلامى والاستبدادى والديكتاتورى والتكفيرى. لأنهم يعلمون تمامًا أن وجودهم مرهون بالقضاء على هذا النموذج من النساء. لذلك لم يدخروا جهدًا إلا وسخَّروه لإنتاج واستحداث نظريات ورؤى، بدءًا من الميثولوجيا والدين والفلسفة ومرورًا بالعلم، محاولين ترويج وشرعنة أنماط ونماذج للمرأة بما يتوافق وفق معاييرهم ورؤاهم، وبما يضمن بقاءهم واستمراريتهم. وبالتالى فقد ظلت هذه المؤامرات والاستراتيجيات والسياسات تحاك تجاه المرأة لخلق نموذج المرأة المستعبدة التي تعيش غربة عن ذاتها وحقيقتها وجوهرها، في الوقت الذي ظلت فيه فطرتها الإنسانية- ككائن- تجابه وتقاوم، بل ولم تتردد لحظة في مناهضة ذلك الفكر الظلامى للعيش وفق طبيعتها الحرة.

لذا، نجد أن أصحاب هذا الفكر، ومنذ فجر التاريخ وإلى يومنا هذا، يستهدفون نموذج المرأة الواعية الحرة بكل ما يملكون من إمكانيات، وأن مسعاهم هذا مازال يسير على قدم وساق، وما نشاهده اليوم من جرائم وانتهاكات متكررة لأردوغان وأزلامه بحق المرأة هو استمرارية لذلك الفكر الظلامى المنتشر في المنطقة بشكل عام.

ولم يكن مصادفة استهداف من يمتلكن الفكر الحر ويرفضن أن يكنَّ نموذج المرأة العبدة الخنوعة، فاستهداف ساكينة ورفيقاتها في باريس، وهفرين، وزهرة، وسعدة، وهند في سوريا، واليوم دينيز بواريز، عضو حزب الشعوب الديمقراطى في تركيا، على يد أونور جانجار، عضو منظمة الذئاب الرمادية، التي لا تقل خطورة وعنصرية وتطرفًا عن داعش وإخوتها.

وبالرغم من أن استهداف المناضلات السياسيات يندرج ضمن جرائم العدوان والجرائم ضد الإنسانية، المنافية لجميع الأعراف والمواثيق الدولية، إلا أنّ قتلة هؤلاء المناضلات مازالوا يعيشون طلقاء برعاية أردوغان. وما لم يُقدم هؤلاء المجرمون للعدالة سيبقى استشهاد هؤلاء المناضلات وصمة عار في جبين الإنسانية.

بالرغم من استهدافهم المرأة الواعية الحرة على مر التاريخ، إلا أنهم لم يتمكنوا من القضاء عليها، بل على العكس نجد أنه يومًا بعد يوم يزداد نموذج المرأة الحرة الواعية ويزدهر هذا الفكر ويتألق أكثر من قبل، ولم يعد يقتصر على حالات فردية إنما يتجه كى يكوّن ثقافة مجتمعية. لأن المرأة بتضحيتها في سبيل قضيتها وشعبها تمنح الحياة والحرية للآخرين، وما نشاهده من ثورة للمرأة في مناطق شمال وشرقى سوريا خير تجسيد لذلك.

بتحويل نماذج أمثال ليلى وساكينة وهفرين ودينيز إلى ثقافة مجتمعية، ستتوسع دائرة هذا النموذج يومًا بعد يوم، وهو ما يهز عرش الطغاة ويجلب نهايتهم. لذا نراهم دومًا وأبدًا يعملون على القضاء على مثل هذا النموذج لترك جميع الساحات مفتوحة لممارساتهم وسياساتهم ومخططاتهم القذرة، التي لم تجلب للبشرية والإنسانية على مر التاريخ سوى الدمار والقتل وإراقة الدماء والتخلف والجهل. وصدق أجدادنا عندما قالوا منذ آلاف السنين (Qade bi xwedî ware Guran e) وتعنى بالعربية: «الأرض السائبة تصبح ميادنًا تسرح وتمرح فيه الذئاب»، وهذا ما يسعى إليه أصحاب هذه الذهنية.

لذا لم يكن من فراغ استهداف عضو من منظمة الذئاب الرمادية نموذج المرأة الواعية الحرة في شخص الشهيدة دينز التي هي من دعاة أخوة الشعوب والإنسانية، حتى يحولوا البلاد إلى غابة لممارسة شرورهم وقاذوراتهم دون وجود أي رادع أخلاقى أو قوانين تردعهم أو تعرقل وحشيتهم. وليس من قبيل الصدفة تسمية المنظمة باسم «الذئاب الرمادية»، إنما هو خير تمثيل لانعكاس حقيقة ذهنيتهم.

أونور جانجار لا يختلف عن قاتل هفرين، فهما وجهان لعملة واحدة، تواجده في سوريا ومعايشته لثورة المرأة والإنجازات التي حققتها في مقارعتها الفكر الداعشى الإرهابى وعلى كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدبلوماسية، وجد فيها خطرًا وتهديدًا على أمنه الوجودى وخوفًا من انتقال هذه التجربة إلى تركيا وشعوبها بريادة دينيز ورفيقاتها. من أجل ذلك سارع، وبتوجيه من حكامه، بالعمل محاولًا وأد هذا النموذج، ولكنه هذه المرة ارتكب خطأ كما الذين سبقوه، فبدلًا من وأد هذا النموذج والقضاء عليه، عمل على زيادة رصيدهم الإجرامى بفعلتهم النكرة هذه، مما زاد حالة السخط والاستنكار الشعبى إقليميًا ودوليًا.

فعندما أعدموا ليلى واغتالوا هفرين وزهرة وساكينة وهند وسعدة حمل أسماءهن العشرات من الفتيات اللواتى سلكن دربهن. وهذا ما قالته والدة الشهيدة دينيز وهى تواجه آلة قمع حكومة العدالة والتنمية لتسلم جثة ابنتها: «مخطئون بقتلكم دينيز. إذ سيكون من بعدها آلاف ممن سيحملون اسمها، ومسيرتها ستستمر، دينيز لم تكن ابنتى فقط، بل هي ابنة شعبها».

هذه المرأة على عكس النساء الثكالى اللواتى يكتفين بالبكاء على فلذات أكبادهن. فهذه المرأة الحديدية وبكل ما تمتلك من إيمان وإرادة وثقة بالقضية التي ناضلت واستشهدت ابنتها من أجلها، واجهت آلة القمع والظلم مرفوعة الرأس مفتخرة باستشهادها ومؤكدة بالاستمرار على نهجها، فدينيز فارقتهم جسدًا لكنها باقية بفكرها، وهذا الفكر سيزدهر وسينتشر وسيتوسع بين مختلف أطياف وشرائح المجتمع، وكلها ثقة برفيقات دينيز بالثأر لها من أعدائها وأعداء الإنسانية، وبناء الحياة الحرة.

وحتى نتمكن من معرفة سر استمرار نموذج المرأة الحرة الواعية بالرغم من تعرضها لأبشع وأقذر سياسات القمع والتسلط والاضطهاد، لابد لنا من معرفة النهج والفلسفة التي تبنتها، فهى تعشق الحياة، ولأنها تعشق الحياة ضحت بنفسها لينعم الآخرون من شعبها والإنسانية بحياة كريمة. وعلى النقيض من أصحاب الفكر الظلامى الذين يعشقون الموت من أجل الآخرة. لذا نراه يقتل الآخر لينعم بالسلطة والثروة وبالحوريات في الآخرة وفق منظورهم المشوه.

شتَّان ما بين من يضحى بنفسه في سبيل وطنه وشعبه، ومن ضحى بشعبه ووطنه لنفسه.

خلاصة القول: الشهيدة دينيز لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، والصراع بين النور والظلام سيبقى مستمرًا. لذا، وحتى تنعم البشرية والإنسانية بحياة حرة كريمة، يتطلب ذلك من النساء بالدرجة الأولى والبشرية جمعاء الوقوف معًا لمناهضة ومكافحة هذا الفكر الظلامى، وأن تعمل الجمعيات والمؤسسات الحقوقية والإنسانية الإقليمية والدولية على تقديم الجناة للعدالة.

إخترنا لك

0 تعليق