الكَلْبَان التُّونسي والجَزائري.. النُّباح والجوع

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

في مرحلة جزائرية لم تكن وُسْطى أبداً، وإن توقع أصحابها أنها ستكون عبورا آمنا وناجحا وواعدا، فقضت على أكثر من 10 سنوات من عمر شعب، ومن مسار دولة، ومن علاقة إقليمية وعربية وعالمية.. إنها تلك الفترة الجزائرية التي نشأت على أنقاض ما يعرف بأحداث الخامس من أكتوبر 1988، وما تبعها من تغيير أدى إلى تطورات سياسية استندت إلى منظومة قانونية، فمن خلال دستور 23 فبراير 1989، الذي أقرَّ الإصلاحات، وولادة حكومة جديدة، كانت في سباق مع الزمن، بقيادة «مولود حمروش»، وما صحب ذلك من حرية في مجال الإعلام بكل أنواعه ــ المكتوب والمسموع والمرئي ـ عمَّ الصخب والفوضى، وظهر ما يمكن أن نطلق عليه«الثأر من ماضي الصمت الإجباري»، بعد أن قُضي بأمْر عُلْوي على حدود الفصل بين الجد والهزل.

في البداية علت الوجوه نحو أفقٍ رحبٍ في انتظار غَيْث مجتمعي يحرك الدولة الجزائرية نحو تحقيق تطلعات لم تكن واهية، ذلك أن الذين اتّخذوا قرار الخروج من ضيق الحزب الواحد إلى سعة التعددية كانوا يخشون عن بلادهم ـ بصدق ـ من تغيرات عالمية وشيكة، سبقوها قبل تحطيم جدار برلين وتوحد المانيا الشرقية والغربية في نوفمبر 1990، وتفكك الاتحاد السوفياتي وسقوطه المدوي في ديسمبر 1991، بل أنهم بدأوا قبل ذلك بالبحث عن طوق نجاة للجزائر، ولهم أيضا، منذ أن تابعوا عن كثب ـ مثل معظم سكان العالم ـ اعدام الرئيس الروماني نيكولاي تشاوتشيسكو وزوجته في ديسمبر 1989، وكانوا يتوقعون تكلفة في الأرواح البشرية أعلى من تلك التي قدمتها الجزائر خلال العشرية الدموية.

استند هنا إلى حديث أسّر لي به أحد القادة البارزين في2004، أي بعد أن قاربت تلك الحرب الأهلية على وضع أغلب أوزاها، ذلك المسؤول هو اليوم ممن يصنعون القرار في الجزائر، حيث قال:«لقد كنا نتوقع أن تكون التّكلفة البشرية حوالي (3 مليون ضحية)، ذلك لأن السيناريو الذي اُعّد للجزائر كان بشعاً، وأكبر بكثير مما يكمن تصوُّره».

وبغض النظر عن صدق قول المسؤول الجزائري من عدمه، أنه بعيدا عن التكلفة الباهظة التي لم تكن متوقعة لا من الشعب ولا حتى من الأحزاب، فإن بداية التعددية كانت مبشرة، خاصة بعد السماح لكل القوى السياسية بالنشاط، والاعتماد القانوني، وكان هناك لوم يرقى إلى درجة الاعتراض من دول عربية على اعتماد أحزاب دينية، خاصة من مصر بقيادة الرئيس محمد حسني مبارك، لكن رد الجزائر عبر رئيسها في ذلك الوقت الشاذلي بن جديد، كما جاء على ألسنة قريبين منه:«نحن دولة مسلمة، فكيف لا نسمح بقيام أحزاب إسلامية؟!.. ثم أننا سمحنا باعتماد أحزاب شيوعية، فكيف لا نسمح بأحزاب إسلامية؟!»

ولم تكن مصر وحدها المنزعجة، بل والمتخوفة، من اعتماد أحزاب إسلامية في الجزائر بناء على خلفيتها السابقة في إدارة الصراع مع الإسلاميين منذ ثورة 23 يوليو 1952، بل أيضا بدت مخاوف في الإطار المغاربي، أو ما يعرف بدول الجوار، وخاصة من تونس بقيادة الرئيس زين العابدين بن على، في وقت أيد المعرض التونسي راشد الغنوشي في حوار علني للصحافة الجزائرية وفي عدة تصريحات أخرى، ما قامت به الجزائر، أي اعتماد أحزاب إسلامية، وحين زار الجزائر قال لأحد رؤساء تحرير الصحف في جلسة خاصة، حين بدأت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بمعارضة الرئيس الشاذلي بن جديد والمطالبة بتنحيته:«لو كان عندنا رئيسا مثل الشاذلي لقبّلنا رأسه صباحا ومساء».. ولْنَنْظر ما يفعله اليوم في الدولة التونسية بعد أن وصل إلى الحكم، وكيف يواجه ويعطل الرئيس قيس سعيّد!.

لنعد إلى القضية الأساسية هنا، وهي: أن الشعب الجزائري كله دخل في جدال حتى غدا الكل متحدثا، ولا وجود لمستمع، وأصبح في خوض يشي بتعطل كلي لمؤسسات الدولة، ولا أحد ينكر أن فرحا عم غالبية الجزائريين بالتعددية الحزبية، ولا شك أن أحزاب«الخفافيش» من كل القوى اليسارية والإسلامية ـ صاحبة المشاريع الحقيقية أو الوهمية ـ كانت أكثر فرحاً، لأنها أخيراً ستنشط في النور بدل الظلام، وقد اقتدى بها في وقت لاحق ممن لهم طموح سياسي بالحق أو الباطل، وقد تأثر الشعب التونسي بذلك مع أنه كان ينعم بالرخاء مقارنة على ما هو عليه الآن.. وقتها شاع في أوساط الشعبية الجزائرية قصة شفاهية كانت بنت لحظتها، تقول:

«أن كلباً تونسيّاً نظر لما يحدث في الجزائر، فقرر الهجرة إليها هروبا من سياسة السلطة التي كانت تمنع نباح الكلاب، وبالفعل شدّ الرحال نحو الجزائر، وفي احدى المناطق الحدودية المشتركة بين الدولتين، التقى كلباً جزائريّاً بدت عليه ملامح الخوف، قرر الهجرة إلى تونس، فسأله الكلب التونسي: لماذا أنت مهاجر إلى تونس؟.. أجابه الكلب الجزائري: لأن الشعب الجزائري منشغل بالحديث، وهناك مؤشرات لجوع عام بات وشيكاً قد يتحول إلى مسغبة في السنوات القليلة المقبلة؟.. علق الكلب التونسي، ولكن تونس أسوأ من الجزائر.. نحن في بلادنا نُمْنَع من النباح، فقال الكلب الجزائري: لكنكم في النهاية قد تجدون عظما حتى لو تعاركتم لأجل الحصول عليه، لكن نحن كلاب الجزائر رغم الخير الكثير في بلادنا اليوم، والسماح لنا بالنباح، فسننتهي في القريب العاجل، فلا أصحاب لنا في المستقبل، ولا يحق لنا أن نصبح كلابا ضالة».

ومضى كل منهما إلى غايته، فلا الكلب التونسي استفاد من النباح حين أصبح من كلاب الجزائر، ولا الكلب الجزائري حمى نفسه من الجوع حين التحق بكلاب تونس، والحال كما نرى اليوم.. ومن أدرانا ربما تتغير غدا.. وللشعوب في أمثالها قصص وحكم.. وتوقعات أيضاَ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق